أخبار 

ابرز عناوين الصحف الفلسطينية ليوم 15/4/2014    |   ابرز عناوين الصحف الفلسطينية ليوم 15/4/2014    |   أبرز عناوين الصحف الفلسطينية والاسرائيلية ليوم 14/4/2014    |   عناوين صحف الخرطوم الصادرة صباح اليوم الاثنين 14 أبريل 2014    |   عناوين صحف الخرطوم الصادرة صباح اليوم الاحد 13 أبريل 2014    |   ابرز عناوين الصحف الفلسطينية والاسرائيلية ليوم 13/4/2014    |   ابرز عناوين الصحف الفلسطينية ليوم 12/4/2014    |   ابرز عناوين الصحف الفلسطينية والاسرائيلية ليوم 11/4/2014    |   ابرز عناوين الفلسطينية والاسرائيلية ليوم 10/4/2014    |   عناوين صحف الخرطوم الصادرة صباح اليوم الخميس 10 أبريل 2014    |  
دراسات وبحوث     الاقتصاد السوداني: المسار التاريخي وفرص وتحديات المستقبل (قراءة لما قبل ومابعد إنفصال الجنوب)

الاقتصاد السوداني: المسار التاريخي وفرص وتحديات المستقبل

(قراءة لما قبل ومابعد إنفصال الجنوب)

د. محمد عبدالقادر محمد خير

من المؤكد أن انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم منذ التاسع من يوليو 2011م سيبقي من الأحداث التي تشكل منعطفاً حاداً في المسار التاريخي للدولة السودانية الحديثة. ذلك أن آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية ستبقي قائمة ومنداحة لفترة زمنية لا يتوقع أن تكون قصيرة، بحكم تداخل وتشابك معطيات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتعقيداته، والتي لا يمكن أن تنفصم بسهولة ويسر بمجرد انشطار الدولة التي تشكلت عبر قرنين من الزمان إلى دولتين مستقلتين عن بعضهما بقرار أو اتفاق سياسي أملته ظروف سياسية مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة.

وستبقي الآثار الاقتصادية هي الأعلى صوتاً والأوسع نطاقاً من بين مختلف الآثار التي خلفها الانفصال، ليس فقط بالنسبة للدولة الأم وحدها وإنما أيضاً بالنسبة للدولة الوليدة. لاسيما إن تلك الآثار ربما ستكون علي حساب كثير من المكاسب الاقتصادية التي تحققت بشكل نسبي خلال سنوات عديدة سبقت عملية الانفصال. وربما لا تقتصر تلك الآثار على الواقع الاقتصادي المعاش في الفترة التي تلي الانفصال، بل يتوقع أن تمتد لتلقي بظلالها الكثيفة على مستقبل الأوضاع الاقتصادية في السودان.

لقد أصبح السودان بعد الانفصال دولة ذات واقع جديد، وبها معطيات وتعقيدات وتحديات جديدة، كما أن مستقبلها الاقتصادي غير واضح المعالم. وقد أفرز هذا الواقع وضعاً اقتصاديا متأزما وغير مستقر ربما يطول أمده في حال استمرار العوامل الداعمة له، وفي حال عجز السياسات الاقتصادية التي وضعتها الحكومة في إحداث أي تغيير مؤثر في مواجهته.

إن السؤال المحوري الذي تطرحه هذه الورقة البحثية، ومن ثم يمثل جوهر المشكلة التي تتناولها بالبحث، إنما يتمثل في الآتي:

كيف تطور مسار الاقتصاد السوداني تاريخياً؟ وما هي آثار انفصال الجنوب عليه؟. وما هي التصورات حول مستقبله على ضوء الواقع الجديد الذي أفرزه ذلك الانفصال؟.

تشكل الإجابة عن هذا السؤال المركب هدفاً رئيساً تعمل هذه الورقة على تحقيقه،. وعلي أساسه تتبني الفرضيات الآتية:

1- التطور المضطرب للاقتصاد السوداني أدى إلى ضعف بنائه الهيكلي ، ومن ثم معاناته من اختلالات مزمنة.

2- انفصال الجنوب أثر بشكل مباشر وعميق على الاستقرار الاقتصادي في السودان.

3- عدم قدرة الاقتصاد السوداني على امتصاص آثار الانفصال ترجع إلى الاختلال الهيكلي الذي يعاني منه.

4- تحسن الأوضاع الاقتصادية في السودان مستقبلاً يتوقف على طبيعة وكيفية مواجهة المشكلات السياسية والاقتصادية القائمة حالياً.

إن الإجابة عن الأسئلة المحورية لهذه الورقة البحثية واختبار فرضياتها، ومن ثم تحقيق هدفها سيتم عبر المحاور التالية:

? الاقتصاد السوداني: المقومات والمسار التاريخي.

? أداء الاقتصاد السوداني قبل الانفصال.

? آثار الانفصال علي الاقتصاد السوداني.

? مستقبل الاقتصاد السوداني : الفرص والتحديات.

أولاً: الاقتصاد السوداني : المقومات والمسار التاريخي:

لا يختلف اثنان حول ما يتمتع به الاقتصاد السوداني من ثراء وتنوع مواردى تحسده عليه كثير من البلدان على مستوى العالم ككل، وتجعله عرضة للأطماع الخارجية. والتاريخ: يحدثنا أن ذلك، غالباً، كان عاملاً حاسماً في تدفق الهجرات السكانية إليه عبر الزمان من مناطق وأقاليم مختلفة من خارجه، مثل ما كان عاملاً حاسماً في تعرضه لموجات استعمارية عديدة. ومنذ الحقبة الاستعمارية وطوال فترات العهد الوطني تطور الاقتصاد السوداني عبر مراحل مختلفة شكلت مقوماته وحددت ملامح أدائه وأفرزت مشكلاته.

في هذا المحور، وقبل الحديث عن أداء الاقتصاد السوداني قبل وبعد انفصال الجنوب، لابد من إعطاء خلفية عن اقتصاد السودان من حيث مقوماته، وتطوره التاريخي، وطبيعة وجذور المشكلات التي يعاني منها.

1-1: مقومات الاقتصاد السوداني:

لن تأتي هذه الورقة بجديد وهي تتحدث عن مقومات الاقتصاد السوداني، لأن تلك المقومات تكاد تكون معلومة للجميع. غير أن ضرورة تشخيص واقع الاقتصاد السوداني وتأثيرات انفصال الجنوب عليه وعلى مآلاته المستقبلية تقتضي الوقوف على تلك المقومات، ليس بالتفصيل ولكن من خلال إشارات عامة.

إن ابرز مقومات الاقتصاد السوداني، كما هو معروف، هو النشاط الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، فقطاع الزراعة هو القطاع الأكبر مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بنسبة تتراوح مابين 35% و45% ، كما أن النسبة الأكبر من السكان ترتبط أعمالهم وأنشطتهم بهذا القطاع. فيما ظل قطاع الصادر لعقود عديدة ( قبل اكتشاف البترول ) يعتمد بدرجة كبيرة علي منتجاته. ويتعزز هذا الوضع الذي ينفرد به القطاع الزراعي في الاقتصاد السوداني بفضل ما يتمتع به السودان من موارد زراعية كبيرة تتضمن اتساع مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وتعدد مصادر المياه من أنهار وأمطار ومياه جوفية، وكذلك تنوع المناخات في أقاليم البلاد المختلفة. وهذه جميعها عوامل تعكس فرص التنوع المحصولي الذي ينطوي عليها الناتج الزراعي في السودان في شقه النباتي، والذي يتسع ليشمل إنتاج قطاع الغابات في رقعته الواسعة التي تنتشر في مناطق مختلفة من البلاد. أضف إلى ذلك قطاع الثروة الحيوانية والسمكية بمختلف مكوناتها.

إن الأرقام المرصودة حول إمكانات السودان الزراعية (قبل انفصال الجنوب) تقدر الأراضي الصالحة للزراعة بحوالي 200 مليون فدان ، فيما تقدر حجم المراعي والغابات بحوالي 400 مليون فدان. أما حجم الثروة الحيوانية بمختلف أنواعها فيقدر بحوالي 160 مليون رأس( ). وبالنسبة للموارد المائية فإن حصة السودان من مياه نهر النيل وروافده تبلغ 18.5 مليار م3 في العام، لا يستغل السودان منها فعلياً سوى 12.2 مليار متر مكعب. فضلا عن ذلك هناك مساقط المياه والوديان والخيران، بجانب المياه الجوفية التي تنتشر في 50% من مساحة السودان الكلية ، ويقدر مخزونها بنحو 15.2 مليار متر مكعب( ).

يشكل النشاط الصناعي مقوّماً آخر من مقومات الاقتصاد السوداني، غير أن أثره ظل محدودا على مستوى البناء الهيكلي للاقتصاد القومي، وعلى مستوى استيعاب القوة العاملة، وعلى مستوى المساهمة في هيكل الصادرات. فمنذ الاستقلال ( عام 1956 ) وحتي النصف الأول من تسعينات القرن الماضي لم تتجاوز نسبة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي الـ 9% في أحسن الأحوال ( ).كما أن نسبة القوة العاملة في هذا القطاع تبقى ضئيلة جداً مقارنة بما هو الحال في القطاع الزراعي. فضلاً عن أن هيكل الصادرات السودانية ( قبل اكتشاف وتصدير البترول) خلا من أي منتجات صناعية (باستثناء سلعة السكر وبنسبة ضئيلة).

لقد ظل دور القطاع الصناعي في الاقتصاد السوداني محدوداً، باستثناء الفترة التي دخل فيها النفط، وما أرتبط به من قيام مصافي لتكريره، في دائرة النشاط الاقتصادي السوداني. حيث كان هذا القطاع – وما يزال – يعتمد على بعض الصناعات التحويلية الخفيفة المرتبطة بالإنتاج الاستهلاكي المباشر مثل صناعة السكر والصناعات الغذائية الأخرى وصناعة النسيج وصناعة الأسمنت وغيرها من الصناعات التقليدية والأنشطة الحرفية. والتطور الوحيد الذي حدث في هذا القطاع، بجانب صناعة تكرير النفط، هو قيام صناعة تجميع السيارات والآليات التي تولتها شركة جياد ضمن أنشطتها الصناعية المتعددة. وبفضل هذا التطور قفزت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى نسبة تتراوح مابين 21%- 34%)( ). كما أنه، ومنذ عام 1999م، أصبح يساهم عن طريق النفط ومشتقاته بأكثر من 90% من صادرات السودان ( ).

إن من الملاحظ بوضوح أنه، وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على استقلال السودان، وبالرغم من ما وجده القطاع الصناعي من اهتمام ضمن خطط وبرامج التنمية المختلفة التي تبنتها الحكومات الوطنية التي تعاقبت علي حكم البلاد، إلا أن هذا القطاع فشل في تحقيق الأهداف الاقتصادية المنشودة علي مستوي إحلال كثير من الواردات، وتحسين موقف الصادرات (باستثناء النفط)، وخلق فرص عمل واسعة وحقيقية، ولم يستفد بشكل كبير ومؤثر من الفرص الواسعة في مجال التصنيع الزراعي بحكم الخلفية الزراعية للاقتصاد السوداني. وربما يعزى ذلك إلى جملة من المشكلات المزمنة التي ظل يعاني منها هذا القطاع طوال عقود من الزمان، أبرزها مشكلة عدم كفاية الطاقة الكهربائية اللازمة لضمان تشغيل مستمر للمصانع القائمة، وكذلك المشكلات المتعلقة بنوعية التكنولوجيا المستخدمة في تلك المصانع، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بالسياسات الحكومية في جانبها المالي والنقدي، كالضرائب المباشرة وغير المباشرة، وسعر الصرف غير المستقر، بالإضافة إلى مشكلات التمويل وارتفاع تكلفة الإنتاج الصناعي ، ومنافسة المنتجات الصناعية الأجنبية( ).

من القطاعات الوليدة التي يدور حولها حديث كثير، باعتبار الإمكانيات الكبيرة التي يزخر بها السودان في مجالها، هو قطاع التعدين. حيث تشير الدراسات والأبحاث الأولية التي أجريت في هذا المجال إلى وجود أنواع عديدة من المعادن في باطن الأراضي السودانية أبرزها الذهب واليورانيوم. فبالنسبة للذهب على وجه الخصوص بدء النشاط التعديني الخاص به بصورة جادة وواسعة منذ تسعينات القرن الماضي في شرق السودان بواسطة شركة أرياب الفرنسية، ثم تبع ذلك خلال السنوات الأخيرة الماضية انتشار نشاط التعدين الأهلي في مناطق مختلفة من السودان شملت ولايات نهر النيل والشمالية وكردفان وبعض ولايات دارفور. وتشير بعض التقارير الرسمية إلي أن صادرات السودان من الذهب آخذة في التصاعد بشكل ملموس ، ويتوقع أن تساهم عائداته من العملة الصعبة في بناء احتياطي من النقد الأجنبي في المرحلة المقبلة ( )، أما اليورانيوم فإن أحاديث كثيرة تدور حول توفره بكميات اقتصادية في أراضي دارفور الواسعة . وتزعم بعض الأوساط التي تناولت أزمة دارفور الأخيرة أن الاهتمام الدولي بتلك الأزمة ، وما شهدته من تدخلات بعض الدول الكبرى فيها، ما كانت إلا بسبب الاعتقاد السائد لدي الكثيرين حول كميات اليورانيوم وبعض المعادن الأخرى التي يزخر بها إقليم دارفور( ). ولكنها تبقى مجرد مزاعم لايمك التعويل عليها ما لم تكن هنالك دراسات مؤكدة معد لها.

مقوم رابع من مقومات الاقتصاد السوداني هو قطاع الخدمات الاقتصادية كالنقل والاتصالات والمصارف. وهو القطاع الوحيد من بين قطاعات الاقتصاد السوداني الذي حدثت فيه تطورات نوعية خلال العقدين الماضيين مقارنة بما حدث في القطاعات الأخرى. ففي قطاع النقل مثلاً يلاحظ أنه على الرغم من التردي الواضح في مجالات السكك الحديدية والنقل البري (والبحري إلي حد ما)( )، إلا أن تحسناً واضحاً حدث في مجال النقل البري من حيث إنشاء بعض الطرق القومية واستقطاب مواعين حديثة لنقل الركاب والبضائع (بصات وشاحنات)، كما حدث تحسن محدود في مجال النقل الجوي من خلال تحديث بعض المطارات الولائية (دنقلا، الفاشر، نيالا، بورتسودان)، ومن خلال السماح لبعض الشركات الخاصة بالعمل في مجال النقل الجوي الداخلي، فضلاً عن عودة شركات الطيران الأجنبية للعمل في السودان في مجال النقل الجوي الخارجي.

اما قطاع الاتصالات فهو الاستثناء الأكثر وضوحاً من حيث التطور الذي حدث فيه، وذلك بفضل الاستثمارات الكبيرة التي قام بها القطاع الخاص الأجنبي والمحلي منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. حيث أصبحت خدمات الاتصالات تغطي أجزاء واسعة من مناطق السودان المختلفة. وتعد الخدمات التي تقدمها الشركات العاملة في هذا المجال هي الأفضل والأكثر تطورا مقارنة بعدد من الدول العربية والأفريقية ( ).

بالنسبة لقطاع الخدمات المالية فإن تطوراً ملحوظاً حدث فيه منذ أن عرف السودان النشاط المصرفي. فقد ازداد عدد المصارف العاملة في السودان خلال العقود الثلاثة الماضية كما اتسع نطاق الانتشار المصرفي عبر الفروع الكثيرة التي أنشأتها تلك المصارف، لتغطي بخدماتها المصرفية مدن وأقاليم السودان المختلفة ( ).

مقوّم رابع من مقومات الاقتصاد السوداني هو قطاع السياحة، حيث يمتلك السودان إمكانات سياحية كبيرة تتوزع بين غربه (جبل مرة)، وشماله (البجراوية والمناطق الأثرية)، ووسطه (حظيرة الدندر) وشرقه ( قرية عروس والحدائق المرجانية وسواحل البحر الأحمر). هذه جميعها وغيرها تشكل مناطق جذب سياحي كبير أذا ما تم استثمارها بشكل جيد وكفء. ومن ثم يمكن لهذا القطاع أن يلعب دوراً مقدراً في الاقتصاد السوداني، على عكس ماهو حادث على أرض الواقع حاليا، حيث تمثل مساهمة السياحة في الاقتصاد القومي نسبة ضئيلة تكاد لا تذكر، على الرغم من وجو وزارة مختصة بها. وربما يعود ذلك إلى ضعف الاهتمام بهذا القطاع وعدم وجود خطط وبرامج وسياسات جديدة لتطويره وزيادة مساهمته في الناتج المحلي. وإن وجدت تلك الخطط والبرامج فإنها تفتقر إلى الإرادة السياسية النافذة التي تحيلها إلى واقع معاش!.

أخيراً ثمة مورد اقتصادي مهم يتمتع به السودان ويشكل مقوماً أساسياً من مقومات اقتصاده، وهو المورد البشري، حيث يعتبر السودان من الدول المأهولة بالسكان مقارنة بدول إفريقية وعربية أخرى، فقد بلغ عدد سكانه حسب بعض المصادر حوالي 44 مليون نسمة ( قبل انفصال الجنوب) ( )، تشكل القوة العاملة نسبة كبيرة. صحيح أن نسبة الأمية وسط هذا العدد الكبير من السكان عالية نوعاً ما (61% حسب إحصاء عام 2003م)، مما يؤثر على نوعية المورد البشري وعلى مدى إمكانية الاستفادة منه اقتصادياً لجهة تحقيق التنمية والتقدم الاقتصادي، غير أن مجهودا ًكبيراً بذل – وما يزال – لتحسين نوعية هذا المورد من خلال التوسع في التعليم العام بأنواعه المختلفة وفي التعليم العالي بمجالاته المتنوعة والمتعددة. وعلى الرغم مما يقال حول جودة مخرجات العملية التعليمية في السودان بمستوييها العام والعالي، إلا أنها تظل عملية ذات أثر في ما يتعلق بتحسين نوعية المورد البشري ورفع قدراته وتنمية مهاراته . ولاشك أن السودان يملك قاعدة عريضة في مجال الموارد البشرية بدءاً من العمالة الماهرة وإنتهاءاً بالخبراء، وذلك في شتي المجالات المهنية. ولا يختلف اثنان حول الدور الذي لعبه السودانيون العاملون بالخارج في بناء نهضة العديد من الدول، ومازال الكثيرون منهم يساهمون بكفاءة في خدمة مجتمعات تلك الدول.

ما تقدم كان استعراضا عاماً ومقتضباً للمقومات الرئيسية التي ينطوي عليها الاقتصاد السوداني ومدى الاستفادة المحدودة منها.

1-2: المسار التاريخي للاقتصاد السوداني:

لقد مر الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال بمراحل عديدة تطور من خلالها. وقد تم تطبيق نظم اقتصادية مختلفة عبر تلك المراحل كان لها أثرها الواضح في صياغة ملامح ذلك الاقتصاد، فعقب الاستقلال مباشرة آثرت النخبة الوطنية التي تولت حكم البلاد السير على نفس النسق الاقتصادي الذي كان سائدا خلال الفترة الاستعمارية، حيث لم تقم بأحداث أي تغيير جوهري في النظام الاقتصادي الذي ورثته من الاستعمار، والذي كان نظاماً رأسمالياً يعمل بطبيعة الحال على استنزاف موارد السودان الاقتصادية لصالح الاقتصاد البريطاني. فالمعروف تاريخياً أن الإدارة الاستعمارية التي كانت تحكم السودان قبل استقلاله عملت على بناء هيكل اقتصادي أحادي يعتمد بدرجة كلية على قطاع إنتاج أولي هو القطاع الزراعي. وركزت فيه على إنتاج القطن كمحصول نقدي رئيسي يصدر إلي بريطانيا ليستخدم كمدخلات إنتاج لمصانع النسيج البريطانية ( ).، وقد أنشئ مشروع الجزيرة كأكبر مشروع اقتصادي في السودان خصيصاً لتحقيق هذا الهدف. وبدلاً من أن تعمل الحكومات الوطنية التي أعقبت الاستقلال على إعادة بناء هيكل الاقتصاد السوداني على أساس التعدد والتنوع والتوازن حتي ينمو ويزدهر ويقوى عوده، تبنت الهيكل الاقتصادي الموجود منذ الفترة الاستعمارية وعملت على تطويره في نفس الاتجاه. والدليل الأقوى على ذلك أن برامج وخطط التنمية التي انتهجت بعد الاستقلال وخلال عقد الستينيات من القرن المنصرم قامت على النموذج الرأسمالي الغربي الذي يركز علي الاستثمارات التي تعظم الأرباح، فقد كان اهتمام تلك البرامج والخطط منصباً بدرجة كبيرة على مشروعات القطاع الزراعي وفي مناطق معينة بحكم توفر الموارد اللازمة لنجاح تلك المشروعات فيها بشكل أكبر من المناطق والقطاعات الأخرى( ). وقد ساهم ذلك بدرجة كبيرة في تكريس النظام الاقتصادي القائم على أحادية الهيكل، ومن ثم ساهم في تكريس وضعية التخلف الاقتصادي الذي ظل يعاني منه السودان لعقود عديدة.

في حقبة السبعينيات من القرن العشرين حدث تحول كبير في طبيعة النظام الاقتصادي في السودان حينما تبنت القوى الجديدة التي استولت علي حكم البلاد في 25 مايو 1969م النظام الاشتراكي كمنهج اقتصادي رأت أنه السبيل الوحيد لإقالة عثرة الاقتصاد الوطني والاتجاه به نحو التنمية والتقدم الاقتصاديين . وأول ما بدأت به في هذا الإطار هو مصادرة وتأميم عدد من الشركات والمؤسسات والمشروعات التي كان يملكها القطاع الخاص، وذلك في العام 1970م، لتؤول ملكيتها إلي القطاع الحكومي. ثم اعتمدت بعد ذلك منهج التخطيط المركزي والتحكم الحكومي في إدارة الاقتصاد، فكان أن أتسع نطاق القطاع العام الذي تمدد في كافة مجالات النشاط الاقتصادي ، الإنتاجي منها والخدمي، فسيطرت الحكومة بذلك علي حركة الاقتصاد القومي ككل( ). ولم يكن أمام القطاع الخاص سوى التحرك في نطاق ضيق ومحدود.

وعلى الرغم من أن خطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي وضعت ونفذت خلال تلك الحقبة هدفت بشكل رئيسي إلى إحداث تغيير جذري في بنية الاقتصاد السوداني، وإعادة توظيف واستغلال موارده المتنوعة بكفاءة، ومن ثم توزيع ثمار ذلك بعدالة، إلا أن الذي حدث هو زيادة هيمنة القطاع الزراعي على الاقتصاد السوداني، وذلك على حساب القطاعات الاقتصادية الأخرى. ولم يكن ذلك من خلال تطوير الزراعة التقليدية التي كانت تنتشر في مناطق واسعة من السودان وتمثل نشاط غالبية السكان، وإنما كان من خلال التركيز على الزراعة الحديثة أو في مناطق معينة من البلاد. ( )الأمر الذي أدى إلى تدهور حجم النشاط الزراعي، خاصة في مناطق الزراعة التقليدية، وهجرة كثير من المشتغلين به إلى المدن والمناطق الحضرية.

وقد كان ذلك خصماً على مجمل الأداء الاقتصادي في السودان بحكم ريادة القطاع الزراعي فيه. كما أن القطاع الصناعي، الذي كان يعّول عليه كثيراً في إحداث التغيير البنيوي المطلوب في هيكل الاقتصاد السوداني ، فشل في تحقيق ما هو مطلوب منه خاصة مشروعات التصنيع الزراعي التي اولتها خطط وبرامج التنمية اهتماماً خاصاً، وذلك بسبب عوامل عديدة أبرزها البيروقراطية الحكومية التي كانت تدار بها تلك المشروعات. ولم يكن قطاع الخدمات الاقتصادية بأحسن حالاً في تلك الحقبة، إذ لم تشهد مجالاته المختلفة (النقل، الاتصالات، الطاقة ،المصارف وغيرها)، سوى تطور محدود.

لقد أدخل نظام الاقتصاد الموجّه، القائم على التدخل الحكومي والتخطيط المركزي، الاقتصاد السوداني في نفق الجمود والتكلس خلال حقبتي السبعينات والثمانينات. وقد أدى ذلك إلى بروز مشكلات اقتصادية عديدة عانى منها السودان كثيرا، أبرزها تفاقم الديون الخارجية بشكل مضطرد نتيجة للاعتماد على القروض الخارجية لتمويل مشروعات تنموية ذات عائد منخفض فشلت في نهاية الأمر في تحقيق أي تقدم تنموي يستفاد منه في سداد قيمة وفوائد تلك القروض، مما يؤكد مدي العجز المؤسسي في تخطيط وتنفيذ مشروعات التنمية( ). ومن جانب آخر فقد تراجع الإنتاج بصورة ملحوظة وبشكل أثر على نمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث ظل يسجل معدلات نمو سالبة في معظم سنوات حقبة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وذلك بسبب جمود الاستثمارات وارتفاع تكلفة الإنتاج وهجرة رأس المال الوطني ( ). وقد أدى ذلك إلى حدوث حالة من الركود الاقتصادي امتدت لسنوات عديدة جرّت في ركابها مشكلات أخرى مزمنة مثل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وتدهور قيمة العملة الوطنية في مقابل العملات الأجنبية. وقد كان ذلك تعبيراً عن حالة عدم التوازن الداخلي والخارجي التي كانت سمة غالبة في الاقتصاد السوداني خلال تلك الفترة.

المرحلة الرئيسة الثالثة في المسار التاريخي للاقتصاد السوداني بدأت في العام 1992م بتطبيق سياسة التحرير الاقتصادي واعتماد منهج اقتصاد السوق كنظام اقتصادي. وقد اقتضي ذلك تقليص الدور الحكومي في الاقتصاد واقتصار فقط علي التدخل عن طريق السياسات. وفي هذا الإطار تم تنفيذ برنامج واسع للخصخصة تضمن بيع وتصفية معظم المؤسسات والشركات والهيئات الاقتصادية الحكومية، حيث استهدف هذا التوجه الاقتصادى الجديد تحريك الجمود الاقتصادي الذي ظل يعاني منه الاقتصاد السوداني ردحاً من الزمن عن طريق تحجيم سيطرة القطاع العام على النشاط الاقتصادي وكسر احتكاراته في هذا المجال وتحرير الاقتصاد من القيود المختلفة ( )، وفتح الباب واسعاً أمام القطاع الخاص ليتولى زمام المبادرة الاقتصادية ويقود النشاط الاقتصادي نحو تحقيق أهداف وغايات الاقتصاد القومي ( ).

لقد شهد الاقتصاد السوداني خلال تلك المرحلة عدة تطورات ، منها ما كان سالباً ومنها ما كان إيجابياً. ففي السنوات الأربع الأولى لتطبيق سياسة التحرير الاقتصادي حدث اضطراب واضح في أداء الاقتصاد القومي عبرت عنه عدة مؤشرات كلية أبرزها الارتفاع المضطرد في معدلات التضخم، والتي وصلت إلى 166% في العام 1996، وكذلك التدهور الكبير في قيمة العملة الوطنية والتشوهات الواضحة في سعر الصرف، كما تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات متدنية بلغت 1.8% عام 1991م، فيما انخفضت اعتمادات التنمية في الموازنة العامة إلى 50%، في الوقت الذي تفاقمت فيه الديون الخارجية حتى بلغت في العام 1996م حوالي 17 مليار دولار ( ).

غير أن تحسناً واضحاً طرأ على أداء الاقتصاد السوداني بعد ذلك بفضل الإصلاحات التي جرت في السياسات الاقتصادية الكلية منذ يوليو 1996م في إطار تطبيق إستراتيجية الإصلاح الهيكلي الاقتصادي الشاملة خلال الفترة من 1996-2002م . ومن مظاهر ذلك التحسن الاستقرار النسبي الواضح الذي حدث في الاقتصاد السوداني خلال تلك الفترة وما بعدها، حيث أظهرت مؤشرات الأداء الكلي للاقتصاد تطوراً ملحوظاً . فقد انخفضت معدلات التضخم إلى مستويات متدنية جداً بلغت 8% عام 2000، بعد أن كانت 166% عام 1996م. كما شهد سعر الصرف استقراراً كبيراً، ولمدة تزيد عن الثلاث سنوات، فيما عاد معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى الارتفاع، حيث بلغ في المتوسط حوالي 6% خلال السنوات 1997-2000م. ( ) وقد ساعد على ذلك التحسن دخول النفط منذ العام 1998م ضمن المكونات القطاعية للاقتصاد السوداني، فضلاً عن دخوله ضمن هيكل الصادرات السودانية منذ العام 1999م. وقد ضمن هذا الوضع المتحسن نوعاً من الاستقرار النسبي في الاقتصاد السوداني حتى العام 2008، على الرغم من حدوث أزمات سياسية داخلية جرّت علي السودان تبعات وخيمة على مستوى الجبهة الداخلية وعلى مستوى علاقاته الخارجية ، كما فعلت أزمة دارفور.

غير أن ذلك الاستقرار النسبي الذي تمتع به الاقتصاد السوداني أخذ في التراجع منذ العام 2009م تحت تأثير عوامل عديدة، أبرزها التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي الجاري (غير التنموي) بسبب العديد من الاستحقاقات التي فرضتها الظروف السياسية منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل في العام 2005، وكذلك متطلبات مواجهة أزمة دارفور واحتواء مشكلة شرق السودان، فضلاً عن تداعيات آثار الأزمة المالية العالمية التي ظهرت عام 2008م وامتدت إلى ما بعد ذلك . حيث كان لانخفاض أسعار البترول في الأسواق العالمية في العام 2009م، جراء تلك الأزمة، انعكاساتها على الموازنة العامة في السودان ، بالإضافة إلي تأثر الواردات السودانية بحكم تأثير تلك الأزمة علي الدول التي يستورد منها السودان. وقد شكلت تلك الآثار ضغطاً كبيراً علي الإيرادات العامة إلى البلاد، مما اضطر الحكومة إلي زيادة فئات ضريبة القيمة المضافة وفرض رسوم إضافية علي الواردات مع إضافة رسوم وجبايات جديدة على المستويين الاتحادي والولائي، الأمر الذي أدي إلي زيادة تكاليف الإنتاج وثم ساهم في إحداث حالة من الركود الاقتصادي ( ).

إن أبرز ملامح التحولات في النظام الاقتصادي في السودان خلال العشرين عاماً الماضية، بجانب التحول إلي نظام اقتصاد السوق، هو التوجه نحو تعميق إسلام النظام المصرفي. حيث تم اعتماد نظام الصيرفة الإسلامية بشكل كامل في تعاملات المصارف السودانية سواءً فيما يتعلق بقبول الودائع أو منح التمويل. فضلاً عن استخدام أدوات مالية تتوافق مع الشريعة الإسلامية فيما يختص بعملية إدارة السيولة في الاقتصاد الكلي. وفي تطور لاحق في هذا السياق تم اعتماد النظام المصرفي المزدوج، القائم على العمل وفقاً للنظام المصرفي الإسلامي في الشمال والنظام المصرفي التقليدي في الجنوب.

ولاشك أنه كان لتلك التحولات تأثيرها المباشر على أداء الاقتصاد السوداني، لاسيما وأنها ترتبط بشكل وثيق بواحدة من أهم السياسات الاقتصادية الكلية، ألا وهي السياسة النقدية.

إذاً ، ومن خلال هذا الاستعراض التاريخي للتطورات التي مر بها الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال، وعبر مراحل مختلفة، يلاحظ بوضوح ذلك الاضطراب الذي اتسمت به مساراته وتوجهاته وحركة تطوره، وعلى ضوءه تشكلت ملامحه وسماته. فمن اقتصاد قائم على مزيج من اقتصاد السوق والتخطيط التأشيري إلى آخر مناقض له قائم على التحكم الحكومي والتخطيط المركزي، ثم إلى ثالث منفتح ومتحرر تماماً من القبضة الحكومية وقائم على توليفة غير متناغمة من منهج اقتصاد السوق الحر ومنهج الإسلام في الاقتصاد. فالاول يعتمد على مبدأ تعظيم الأرباح كمحفز ومحرك أساسي للنشاط الاقتصادي، والثاني يعتمد على مبدأ تحقيق العدالة في المعاملات الاقتصادية وتوزيع مكاسبها.

هذا الإضطراب الكبير في مسار الاقتصاد السوداني والتحول الجذري من نظام اقتصادي إلى آخر علي النقيض منه تماماً ، بجانب عدم الاستقرار السياسي والصراعات والأزمات الداخلية التي ظلت سمة غالبة في الدولة السودانية منذ الاستقلال، هو ما أقعد بالسودان اقتصادياً وحال بينه وبين إحراز أي تقدم اقتصادي ذو قيمة نوعية كبيرة ومفصلية، على الرغم من توفره على ثراء وتنوع مواردي كبير لم يتوفر لغيره من دول عديدة فاقته بمراحل بعيدة في الميدان الاقتصادي.

ثانيا : أداء الاقتصاد السوداني قبل إنفصال الجنوب

في المحور الاول من هذا البحث تناولنا مقومات الاقتصاد السوداني ومساراته التاريخية ، وأشرنا إلى بعض ملامح الاداء فيه خلال فترات مختلفة من تاريخه. وفي هذا المحور الثاني سنركز على أداء الاقتصاد السوداني قبل إنفصال الجنوب، وبالتحديد خلال السنوات العشر الاخيرة التي سبقت تحول دولة السودان الموحدة إلي دولتين منفصلتين ومستقلتين عن بعضهما تماما الإنفصال . وسنعتمد في هذا السياق على أداء المؤشرات الاقتصادية الكلية بشكل عام، والتي تعكس نتائج أداء الاقتصاد السوداني خلال الفترة المعنية، على رأسها معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي، ومعدل نمو متوسط دخل الفرد، وموقف التضخم، وأداء القطاع الخارجي، وموقف سعر الصرف .

لقد سبقت الإشارة في جزء سابق من هذه الورقة البحثية إلي التحسن الملموس الذي حدث في مجمل الأداء الاقتصادي الكلي في السودان منذ العام 1997م وحتى العام 2008م، ثم التراجع الذي شهده ذلك الأداء منذ العام 2009م وبنظرة عامة لأداء المؤشرات الاقتصادية الكلية عن تلك الفترة تبدو الصورة أكثر وضوحاً وجلاءاً حول ما أشارت إليه الورقة في هذا الخصوص ، والجدول التالي يعين علي ذلك.

جدول رقم (1)

بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية للسودان (2001-2011)( بالنسبة المئوية )

السنة

معدل نمو التاريخ المحلي الاجمالي معدل نمو متوسط دخل الفرد معدل التضخم الميزان التجاري سعر الصرف مقابل الدولار

2001م 6.2 - 7.4 - 2.6

2002م 5.4 - 8.0 - 2.6

2003م 7.1 5.0 8.1 (4.2) 2.6

2004 5.1 3.0 7.5 (4.7) 2.6

2005 6.3 3.0 7.5 (3.8) 2.4

2006 11.3 4.1 8.4 (9.9) 2.1

2007 10.2 7.7 8.1 (3.8) 2.0

2008 6.8 4.5 13.3 (0.8) 2.1

2009 4.5 2.2 11.2 (5.8* 2.3

2010 2.4 - 13.1 - 2.4

2011 3.3 - - - 2.9

المصدر : اعداد الباحث بالاستفادة من بيانات تقارير بنك السودان وتقارير البنك الدولي حول التنميةفي إفريقيا The world Bank ,Africa development indicators,2011

بقراءة البيانات الواردة في الجدول أعلاه حول بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية التي تعكس أداء الاقتصاد السوداني خلال العشر سنوات الماضية ، يمكن ملاحظة الآتي:

- بالنسبة لنمو الناتج المحلي الإجمالي، فقد ظل يحقق معدلات إيجابية طوال الفترة المعنية، حيث وصل أفضل حالاته في العامين 2006م، 2007م بمعدل بلغ 11.3% و10.2% على التوالي. غير أنه أخذ في التراجع وبشكل ملحوظ منذ العام 2008م، حيث حقق معدلات متدنية بلغت أدني حد لها في العامين 2010م و2011م بمعدل 2.4% و3.3% على التوالي. ويدل ذلك على تراجع أداء الاقتصاد الكلي خلال الأربع سنوات الأخيرة، بعد أن كان قد سجل تصاعدا ملحوظا في السنوات الست الأولي من الفترة كنتيجة للإصلاحات الاقتصادية التي جرت، خاصة في النصف الثاني من تسعينات القرن المنصرم. ويعزى ذلك التراجع إلى تأثيرات الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في العام 2008م وطالت تداعياتها كل اقتصادات دول العالم. فضلاً عن تأثيرات الأوضاع السياسية التي كانت تعيشها البلاد، والتي اقتضت التوسع في الإنفاق الحكومي الجاري على حساب الإنفاق التنموي والاستثماري.

وإن كانت هنالك ثمة ملاحظة ضرورية لابد من إبدائها في هذا الجانب، فهي تتعلق بمساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي الإجمالي، حيث تراجعت نسبة مساهمة القطاع الزراعي فيه بدرجة كبيرة. فبعد أن كانت تلك النسبة حوالي 38.8% عام 2003م انخفضت إلى 26.2% عام 2008م وإلى 29.7% عام 2009م. أما القطاع الصناعي فقد زادت كثيراً نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بفضل دخول صناعة النفط ضمن مكوناته منذ العام 1998م، حيث يلاحظ تزايد تلك النسبة عاماً بعد عام خلال العشرة سنوات الماضية. فقد كانت في العام 2002م حوالي 21%، ثم أخذت في التصاعد من سنة لأخرى حتى بلغت 34% عام 2008م ، قبل أن تنخفض إلى 26% عام 2009م. والجدول التالي يؤكد ما تقدم.

جدول رقم (2)

نسبة مساهمة كل من القطاع الزراعي القطاع الصناعي

في الناتج المحلي الإجمالي ( 2002-2009م)%

القطاع/السنة 2002 2003 2004 2005 2006 2007 2008 2009

الزراعي 41.9 38.8 35.2 32 30.1 28.1 26.2 29.7

الصناعي 21 22 35.08 28.3 29.2 31.2 34 26

المصدر:The world Bank , Africa development indicators,2011

- بالنسبة لنمو متوسط دخل الفرد ، فإنه يلاحظ تسجيله لمعدلات متذبذبة وغير مستقرة. فبعد أن حقق معدلا بلغ 5% عام 2003م تراجع في عامي 2004م، 2005م ليبلغ 3% و4.1% على التوالي، ثم قفز إلى 8.9% في عام 2006م، ثم أخذ في الإنخفاض المتوالي خلال أعوام 2007م، 2008م، 2009م، بمعدلات بلغت 7.2%، 4.5% ، 2.2% على التوالي. والمعروف أن نمو متوسط دخل الفرد يرتبط بمعدل نمو الدخل القومي ومعدل نمو السكان، ولذلك فإن الإضطراب الحادث في معدلات نمو متوسط دخل الفرد في السودان خلال الفترة المعنية ربما يفسره عدم التوافق بين نمو الدخل القومي والنمو السكاني في البلاد.

- بالنسبة للتضخم، فقد شهدت معدلاته استقراراً خلال السنوات من 2001-2007م، حيث ظلت تدور حول رقم أحادي تراوح بين 7.2% و8.4%. غير أن ذلك الإستقرار أخذ في التراجع منذ عام 2008م ، حيث بدأ معدل التضخم في الإرتفاع ليصل في ذلك العام 14.3%، ثم انخفض بعض الشيء في العامين التاليين ليعاود الصعود من جديد وبشكل حاد خلال عام 2011م.

- بالنسبة لأداء القطاع الخارجي، فإن موقف الميزان التجاري يعكس عجزاً مستمراً ومتنامياً في بعض الاحيان ، في أداء هذا القطاع. حيث لم تسجل حالة فائض واحدة خلال سبع سنوات ( 2003-2009م). بل أن نسبة عجز الميزان التجاري الى الناتج المحلي الاجمالي وصلت في عامي 2005م، 2006م إلي ( 9.9%)، و( 10.9%) . وهذه النسب تعكس حجم الفجوة في الميزان التجاري أي أن قيمة الواردات أكبر بكثير من قيمة الصادرات، مما يعني ارتفاع درجة اعتمادية الاقتصاد السوداني على العالم الخارجي، وفي نفس الوقت يعني ضعف الأداء العام للاقتصاد الوطني. ويجب ألا ينظر إلى الانخفاض الكبير في نسبة العجز في الميزان التجاري الذي حدث عام 2008م، والذي بلغ ( 0.8% ) باعتباره مؤشراً لتحسن الأداء الاقتصادي في السودان، لأنه من الواضح أن ذلك الإنخفاض إنما يرجع إلي ارتفاع عائد صادرات النفط نتيجة لإرتفاع اسعاره في الأسواق العالمية في ذلك العام.

- بالنسبة لسعر الصرف، فقد سجل استقراراً نسبياً خلال العشر سنوات الماضية (2001-2011م)، حيث استقر في الأربع سنوات الاولي من تلك الفترة عند 2.6 جنيها مقابل الدولار الأمريكي ، ثم سجل انخفاضاً ملحوظاً في السنوات الثلاث التالية إلي أن بلغ 2 جنيهاً مقابل الدولار الامريكي في العام 2007م . ثم أخذ في الأرتفاع من عام لآخر خلال الاربع سنوات الأخيرة من الفترة المعنية إلي إن بلغ 2.9 جنيهاً مقابل الدولار عام 2011م . ويعود الاستقرار النسبي في سعر الصرف خلال معظم سنوات تلك الفترة الى تمكن السودان من بناء احتياطي نقدي مقدّر بالإستفادة من عائد الصادرات النفطية التي مثلت 90% من جملة عائد الصادر السوداني.

إذاً، ومن خلال التحليل السابق للأداء العام لأهم مؤشرات الاقتصاد الكلي في السودان خلال العشر سنوات التي سبقت انفصال الجنوب، يمكننا استخلاص النتائج التالية:

1-التحسن النسبي الذي طرأ على أداء الاقتصاد السوداني يعود بدرجة اساسية إلى دخول النفط ضمن مكونات الاقتصاد السوداني، وليس بسبب أي تغيير جذري في بنية الاقتصاد أو تحسن نوعي في أداء هياكله القائمة، وإلا لما ظل العجز قائماً ومستمراً في الميزان التجاري للسودان ، ولما تدهورت قيمة الجنيه السوداني.

2- على الرغم من الآثار الإيجابية للإصلاحات الاقتصادية التي اجريت منذ تسعينات القرن المنصرم على أداء الاقتصاد السوداني، إلا أن الأزمة المالية العالمية اثبتت مدى تجذر الاختلال الهيكلي فيه. ذلك أن الأوضاع الاقتصادية في السودان تأثرت بشكل واضح بتداعيات تلك الأزمة، على الرغم من عدم وجود أي ارتباط مباشر بين الاقتصاد السوداني والمراكز الاقتصادية التي تفجرت فيها تلك الأزمة.

3-لم يستفد السودان من عائدات النفط الكبيرة التي تحققت خلال العشر سنوات الماضية في تطوير القطاعات الإنتاجية الأخرى كالزراعة، التي يملك فيها السودان موارد كبيرة ومتنوعة ، وكالصناعة بمجالاتها المختلفة التي يملك فيها السودان فرصاً عديدة.

4-على الرغم من تحسن معدلات نمو الاقتصاد السوداني خلال معظم سنوات الفترة التي شملها التحليل، وعلى الرغم من التحسن الكبير في ايرادات الحكومة بفضل عائدات النفط، إلا أن هنالك سوء توزيع لثمار ذلك التحسن وعدم عدالة ، ويعبر عن ذلك بوضوح إنتشار الفقر علي نطاق واسع ، وعدم كفاية الخدمات الاجتماعية المقدمة ورداءة نوعيتها.

ثالثاً : اثر الإنفصال علي الاقتصاد السوداني :

خلّف إنفصال الجنوب عن دولة السودان الأم العديد من الآثار الاقتصادية شكلت في مجموعها صدمة قوية للاقتصاد السوداني، سيعاني منها ردحاً من الزمن لايستطيع أحد تقدير مداه بشكل قاطع ومحدد، وإنما الأمر كله يتوقف على فعالية السياسات والتدابير الاقتصادية التي اتخذتها، وستتخذها، الحكومة السودانية لتجاوز تلك الآثار.

إن الآثار الاقتصادية المترتبة على ذلك الإنفصال يمكن أجمالها في الآتي:

3-1: على مستوي الموارد الاقتصادية : تقدر مساحة الجنوب مابين 25% - 28% من المساحة الكلية للسودان قبل الانفصال، كما أن أبناء الجنوب كانوا يمثلون أكثر من 23% من سكان السودان الموحد، وذلك وفقاً لتقديرات حديثة تقدر عدد سكان السودان قبل الإنفصال بحوالي 44.8% مليون نسمة، منهم حوالي 10.6 مليــــون نسمة هم أبناء الجنوب ( ). هذه الحقائق تعني أن السودان فقد، بانفصال الجنوب عنه، موارداً اقتصادية مقدرة، فاراضي الجنوب لاشك غنية بثرواتها التي كانت تشكل رصيداً مواردياً لدولة السودان الموحد، حتى وإن لم تكن تستغله بشكل كامل. وبإنفصال الجنوب فقد السودان مساحة مقدرة من الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية والغابات. كما فقد اعداداً من الثروة الحيوانية مع إن نسبتها منخفضة نوعاً ما بالنظر إلى حجم الثروة الحيوانية التي يملكها السودان. كذلك فقد السودان أعداداً كبيرة من الحيوانات البرية التي كان يمكن أن تشكل رصيداً لنشاط السياحة في البلاد، والأهم من كل ذلك هو فقدان السودان للموارد النفطية، حيث توجد معظم حقول النفط السوداني في الجنوب. وسنوضح أثر ذلك ببعض التفصيل في موضع لاحق من هذا البحث.

من الموارد الإقتصادية المهمة التي يحتمل أن تتأثر بعملية الانفصال هي الموارد المائية. فدولة جنوب السودان بعد إنفصالها عن الدولة الأم أصبحت دولة ممر فيما يتعلق بمياه النيل، وهذا الأمر قد يرتب وضعاً جديداً في هذا الشأن. وعلى الرغم من أن قضية المياه لم تثر بشكل صريح وحاد من قبل دولة جنوب السودان، ضمن القضايا المترتبة حالياً على الانفصال، لاعتبارات مرحلية تتعلق بتلك الدولة ( ). إلا أن هذه القضية ربما تثار مستقبلاً في ظل الصراع حول المياه بين دول حوض النيل الذي فجرته دول المنبع منذ مؤتمر كيجالي برواندا في فبراير 2007م م والمتعلقة بإعادة النظر في إتفاقيات مياه النيل ( ). حيث يتوقع أن تنحاز دولة جنوب السودان إلى موقف دول المنبع التي تنادي بالغاء إتفاقية مياه النيل واستبدالها بإتفاقية جديدة تقوم على مبدأ الإستخدام الأمثل والعادل لمياه النيل ( ). ومن المحتمل أن يضر ذلك بنصيب السودان من مياه النيل ( ).

علي صعيد الموارد البشرية فإن إنفصال أبناء الجنوب بدولتهم يعني تناقص حجم المورد البشري السوداني بما نسبته 23% تقريباً. وهي نسبة لا يستهان بها بالنظر إلي أهمية المورد البشري بالنسبة لأي اقتصاد. وإن كان البعض يقلل من أهمية هذا الأثر بحكم نوعية القوة العاملة الجنوبية وضعف إنتاجيتها. غير أنه لايمكن النظر إلي هذا الأمر بهذه الطريقة المبسطة، فالمورد البشري أي كانت نوعيته يعتبر رصيداً للدولة وليس خصماً عليها، على الأقل من الناحية الاقتصادية، ناهيك عن الناحية السياسية، خاصة في ظل توجهات العولمة التي تدعو اقاليم ومناطق العالم المختلفة للعمل بقوة على بناء تكتلات اقتصادية تسعي إلى تحقيق الاندماج الاقتصادي. وفي هذا السياق ينظر إلى المورد البشري بكثير من الاعتبار. وذلك لسببين أساسيين: فهو من جهة مورد إنتاجي مهم وضروري ومفيد إذا ما تمت تنميته وتوظيفه لصالح التنمية، كما أنه من جهة أخرى محرك اساسي للطلب الكلي على السلع والخدمات، وهذا أمر ضروري لجهة تحريك الاستثمارات واستغلال الموارد الاقتصادية الاخرى كعملية حتمية تقتضيها ضرورات التنمية والحاجة إلي احراز تقدم ملموس في الميدان الاقتصادي ، وما أحوج السودان إلي كل ذلك.

3-2: علي مستوى الموارد المالية: سبقت الإشارة في هذه الورقة إلى فقدان السودان لمورد اقتصادي مهم بانفصال الجنوب، وهو النفط. وقد ترتبت على ذلك عدة آثار، أبرزها الأثر المالي. لاسيما وأن السودان فقد جراء الإنفصال 75% من إيراداته النفطية. ويتضح أثر ذلك على الموارد المالية لحكومة السودان إذا علمنا أن عائدات النفط تمثل أكثر من 50% من إيرادات الخزينة العامة ( ).

لقد واجهت الموازنة العامة للحكومة السودانية خلال الربع الاخير من العام 2011م والنصف الأول من العام 2012م صعوبات بالغة أضطرت معها الحكومة إلى اتخاذ تدابير مالية واقتصادية قاسية ، تضمنت إجراء تعديلات جوهرية في الموازنة العامة وفي السياسة المالية، قضت برفع نسبة كبيرة من الدعم عن المحروقات وخفض بعض جوانب الصرف الإداري، هادفة بذلك إلى مواجهة العجز الكبير الذي ظهر في الموازنة العامة نتيجة لفقدانها إيرادات النفط بسبب الانفصال. وقد ترتب على ذلك آثار اقتصادية قاسية ، ستظل مصدر معاناة للمواطن السوداني ردحاً من الزمن غير معلوم المدى . وسنتطرق لتلك الآثار في النقطة التالية:

3-3: على مستوي الأوضاع الاقتصادية: تبرز آثار الانفصال على الأوضاع الاقتصادية: العامة في السودان من خلال المؤشرات التالية:

3-3: لتضخم: بسبب عجز الموازنة العامة الناجم عن فقدان عائدات النفط من جهة وبسبب تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي في ظل الاعتماد الكبير على النفط وعدم توظيف عائداته لصالح القطاعات الإنتاجية من جهة أخرى ، أخذ معدل التضخم في الإرتفاع المتواصل حتى وصل في أغسطس 2012م، وحسب تقديرات الخبراء، إلى أكثر من 41.6% ( ). ويتأكد ذلك من خلال الإرتفاع المريع والمتواصل للمستوى العام للأسعار بشكل يصعب التحكم فيه. وقد أدى ذلك إلي حدوث فوضى وعدم استقرار في الأسواق وإنتشار المضاربات فيها، كما أدى إلى تراجع قيمة النقود وانخفاضها بنسبة عالية بلغت 45%، الأمر الذى أدى إلى تآكل رؤوس أموال المصارف وانخفاض أرباحها بشكل قد يؤثر في المستقبل القريب على مراكزها المالية. فضلاً عن تراجع القطاع الخاص وانخفاض استثماراته بسبب المخاوف الناجمة عن حالة عدم الاستقرار وفقدان التوازن التي يعيشها الاقتصاد السوداني. ومن جانب آخر فقد أدت تلك الآثار التضخمية إلى انخفاض القيمة الحقيقية لأجور ومرتبات العاملين بالقطاعين العام والخاص والدخول المكتسبة بواسطة اصحاب الأعمال الحرة ومن في حكمهم. وقد ساهم ذلك بشكل مباشر في إتساع دائرة الفقر بشكل أكبر مما كانت عليه.

3-3-2: تراجع حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي: فقد نجم عن فقدان السودان لعائدات النفط التي كانت تشكل المصدر الرئيسي لتدفق العملات الأجنبية ، تأكل حجم احتياطيه من النقد الأجنبي ومن ثم حدوث شح فيه. الأمر الذي كان له تأثيره المباشر والكبير علي سعر الصرف في ظل ارتفاع الطلب علي العملات الأجنبية وانخفاض المعروض منها، حيث تدهورت قيمة الجنيه السوداني بشكل مريع أمام الدولار الامريكي واليورو الأوربي وغيرها من عملات الدول التي لها معاملات اقتصادية مع السودان. فقد وصل سعر الدولار مثلاً إلى أكثر من ست جنيهات خلال هذا العام 2012م ، فيما وصل سعر اليورو إلى أكثر من سبع جنيهات.

3-3-2: -تزايد العجز في الميزان التجاري : ففي ظل إرتفاع سعر الصرف ارتفعت قيمة الواردات ومن ثم زاد العجز في الميزان التجاري، خاصة في ظل تراجع قيمة الصادرات السودانية بسبب خروج النفط من جهة، وانخفاض حجم الصادرات غير النفطية من جهة أخرى لأسباب عديدة من بينها ارتفاع تكلفة إنتاج السلع الداخلة فيها تحت تأثير ارتفاع سعر الصرف.

إن كل ما تقدم يظهر بوضوح مدى تأثر الاقتصاد السوداني بانفصال الجنوب، وذهاب كثير من المكاسب الاقتصادية التي كانت قد تحققت خلال العقدين الماضيين وقادت إلى وضعية الاستقرار النسبي قبل الانفصال. وبذلك يكون الاقتصاد السوداني قد عاد خطوات كبيرة إلى الوراء تحت تأثير صدمة الانفصال. وربما يحتاج إلى وقت حتى يتمكن من استيعاب تداعيات تلك الصدمة وإمتصاص آثارها والعودة إلى مربع المكاسب الاقتصادية من جديد.

رابعاً: مستقبل الاقتصاد السوداني : الفرص والتحديات:

رأينا كيف كان مسارالاقتصاد السوداني وكيف تطور منذ الاستقلال، وماهي النتائج التي انتهي إليها ذلك المسار ، مستصحبين في ذلك ما ترتب على إنفصال جنوب السودان من آثاتر عميقة على الاقتصاد السوداني وضعته في مسار حرج ومنعرج شديد الخطورة. ومهما يكن من أمر فلابد من سبيل للخروج من هذا الوضع المتأزم ، والإنتقال إلي وضع جديد ومستقبل أفضل ولن يكون ذلك إلا باستغلال الفرص العديدة الكامنة في الاقتصاد السوداني، وبتجاوز التحديات الماثلة أمامه.

4-1: الفرص المتاحة :

تتوفر في الاقتصاد السوداني عوامل عديدة تشكل عناصر قوته التي إذا ما تم التعامل معها بالرشد والكفاءة المطلوبة فإنها ستكون الطريق الممهد لخروج السودان من وهدته الاقتصادية. وأبرز تلك الفرص يتمثل في الآتي:

أ‌- يمتلك السودان موارد زراعية لا تقارن، ولا يختلف اثنان حول ذلك. غير أن المستغل من تلك الموارد يكاد يمثل نسبة ضئيلة من جملتها. ولايزال القطاع الزراعي يمثل القاعدة الرئيسية والمركز الأساسي للاقتصاد السوداني ومصدر النمو الأكبر والحقيقي له. وذلك تأسيساً على حجم ونوعية الموارد المتوفرة له في هذا الجانب. وطالما الأمر كذلك فإنه من الحكمة وحسن التدبير الاقتصادي إن يتم التعامل مع هذه الحقائق بما تستحقه من اهتمام وعناية كبيرين، بدلاً من إتباع سياسات زراعية غير رشيدة ومدمرة، قائمة على شعارات وأهداف عالية الطموح وغير واقعية. وفي هذا الخصوص يجب أن تبذل العناية الكافية والاهتمام المطلوب لكل من الزراعة الحديثة والزراعة التقليدية، كل بما يناسبه ويستحقه. فمثلما تفرض مقتضيات التحديث والتطوير والمواكبة إيلاء اهتمام خاص للقطاع الزراعي الحديث في السودان ، فإن معطيات وحقائق الواقع تفرض إيلاء اهتمام اكبر لقطاع الزراعة التقليدية، فهي الأكبر حجماً والأكثر إنتشاراً في مختلف مناطق السودان، كما أنها الأكثر استقطاباً للعمالة، والمصدر الاكبر للغذاء بالنسبة لغالبية السكان. ومازالت الحاجة ماسة وكبيرة لمواجهة الطلب المتزايد عليها في ظل أزمة الغذاء التي يواجهها العالم منذ فترة.

لكل ذلك يجب تبني استراتيجية زراعية واضحة المعالم وواقعية الأهداف، تقوم على فكرة إصلاح أوضاع الزراعة في السودان من خلال تطوير البنيات الأساسية وتحسين كفاءة استغلال الموارد الزراعية، خاصة في القطاع التقليدي كخطوة أولي نحو النهوض بالزراعة في البلاد. والفرصة سانحة لتحقيق ذلك في ظل الرغبة الحقيقية لدى مختلف الدول العربية الشقيقة في الإستفادة من موارد السودان الزراعية في تحقيق الأمن الغذائي في المنطقة العربية.

2- إن تمكن السودان من استغلال موارده الزراعية المتنوعة والإستفادة من ذلك في تحسين وتطوير انتاجه الزراعي يعني بالضرورة تهيئة الفرصة لاحراز تقدم كبير في مجال التصنيع الزراعي بالإستفادة من مخرجات قطاع الزراعة كمدخلات إنتاج صناعي، ولاشك أنه إذا حدث هذا فإنه سينعكس إيجاباً على موقف القطاع الخارجي من خلال إحلال الواردات، خاصة الغذائية منها، حيث تشكل عبئاً كبيراً على الميزان التجاري السوداني. وكذلك من خلال تقوية هيكل الصادرات السودانية، وتعزيز القدرة التنافسية لتلك الصادرات في الأسواق العالمية.

لقد استفادت دولة ماليزيا مثلاً، ودولاً أخرى غيرها، من التصنيع الزراعي في تحقيق قيمة مضافة على إنتاجها الزراعي ومن ثم تحسين موقف صادراتها وزيادة حجم العائد منها. والفرصة متاحة امام السودان ليفعل نفس الشيء إذا ما ارتفع بأداء القطاع الزراعي فيه وتمكن من تحقيق التكامل المطلوب بين قطاعي الزراعة والصناعة من خلال التركيز على التصنيع الزراعي والتوسع في مشروعاته ، سواء عن طريق القطاع الخاص أو القطاع المشترك الذي تمثل شركة سكر كنانة حالة نموذجية من حالاته التي يمكن الاقتداء بها .

ومن عجب أن الإنتباه لأهمية وضرورة التكامل بين القطاعين الزراعي والصناعي من خلال التصنيع الزراعي تم في السودان منذ ستينات وسبعينات القرن المنصرم. حيث يلاحظ ذلك من خلال اهتمام خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي جرت في تلك الفترة بهذا الأمر عبر المشروعات التي تضمنتها، مثل مصنع ألبان بابنوسة ومصنع تجفيف البصل بكسلا ومصنع البلح بكريمة، بالإضافة إلى عدد من مصانع النسيج التي قامت في مناطق مختلفة من البلاد. غير أن كل تلك المشروعات فشلت لأسباب مختلفة، من أبرزها البيروقراطية الحكومية التي كانت تدار بها. ومع ذلك فإن التصنيع الزراعي يبقي واحداً من الفرص المتاحة امام السودان للنهوض باقتصاده،لاسيما وأن تجاربه في مجال صناعة السكر حققت نجاحاً كبيراً.

3-في قطاعي التعدين والنفط تبدو الفرصة مواتية لأن يحقق السودان تقدماً في مجال استخراج الذهب بكميات اقتصادية، حيث بدء عدد الشركات العاملة في هذا المجال يزداد، بجانب تنامي نشاط التعدين الأهلي فيه. وبحسب التوقعات الأولية لمسئولي البنك المركزي بأن عائد صادرات الذهب قد تصل إلي مليار دولار أمريكي. فضلاً عن ذلك فإن جهودا كبيرة تبذل لزيادة إنتاج النفط في البلاد من خلال العمل على إدخال حقول نفطية جديدة إلى دائرة الإنتاج خلال الأعوام القليلة القادمة، وذلك حسب تصريحات لمسئولين كبار في الحكومة السودانية. ومهما يكن من اختلاف أو إنفاق مع هذه التوقعات، إلا أن الفرص الكامنة في قطاعي التعدين والنفط في السودان تبقي فرصاً واعدة بالكثير إذا ما تم التعاطي معها بالجدية والكفاءة اللازمتين.

4-سبقت الإشارة في جزء سابق من هذا البحث إلى الإمكانات السياحية التي يتمتع بها السودان. وفي عقود ماضية كانت حركة السياحة نشطة نوعاً ما، وكانت مصدراً للنقد الأجنبي في السودان. وعلى الرغم من الركود الذي أصاب هذا القطاع لأسباب مختلفة، على رأسها عدم الاستقرار السياسي الذي عاني منه السودان خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب النزاعات والحروب الداخلية، إلا الفرصة مازالت قائمة لزيادة حركة السياحة وتطوير النشاط المتعلق بها. ويتطلب ذلك تطوير البنيات الأساسية في مجال السياحة وتحديثها وموائمة التشريعات الخاصة بها مع قيم وثقافة المجتمع السوداني ، وتبني سياسات تطويرية تنهض بهذا القطاع وتزيد من مساهمته في الاقتصاد القومي.

هذه الفرص جميعها ترتبط بالنشاط الإنتاجي الحقيقي الذي يرتبط مباشرة بالناتج المحلي الإجمالي والمساهمة في نموه. وهي ليست فرصاً جديدة ، وإنما هي قائمة منذ أمد بعيد، وقد نبه إليها الخبراء كثيرا من قبل، وأنتبه إليها كذلك القائمون على الأمر الاقتصادي في السودان عبر الحقب المختلفة، إلا أن مستوى التعامل معها لم يكن بالكفاءة والفعالية التي تمكن من تعظيم حجم الإستفادة منها لصالح الاقتصاد القومي.

إن المصدر الأساسي للازمات والمشكلات التي عادة ما يقع فيها الاقتصاد السوداني هو الخلل الكامن في بنيته الهيكلية، لاسيما اعتماده الكبير على قطاع الإنتاج الأولي المتمثل في القطاع الزراعي. ومعالجة هذا الإشكال الجوهري لا تتم إلا عن طريق توسيع وتنويع قاعدة الإنتاج وتقوية هياكله، والفرص المتاحة للسودان تمكنه من ذلك في حال التعامل معها بجدية وارادة حقيقية .

ومن حُسن الحظ - أن الخدمات الاقتصادية المساندة للقطاعات الانتاجية والداعمة لها شهدت تحسناً كبيراً ، خاصة في مجال الإتصالات والنقل والخدمات المصرفية ، الأمر الذي لم يكن متاحا من قبل بهذا القدر.

4-2: التحديات الماثلة:

صحيح أن هنالك فرصاً كامنة في الاقتصاد السوداني يمكن باستغلالها بتصحيح مساره والخروج به من أزمته الحالية، إلا أن هذا يتطلب بالضرورة مواجهة عدد من التحديات السياسية والاقتصادية وتجاوزها.

4-2-1: التحديات السياسية: تتمثل التحديات السياسية التي تواجه السودان في الآتي:

أ-تحقيق الاستقرار السياسي من خلال معالجة الأزمات الداخلية، خاصة تلك المتعلقة بالبؤر الساخنة في كل من دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، فإحراز أي تقدم فيما يتعلق بمعالجة المشكلات القائمة في تلك المناطق وتحقيق الاستقرار فيها يعني تهيئة الظروف للإستفادة من الإمكانات الزراعية المتوفرة لديها. فمن المعروف أن تلك المناطق هي مناطق الزراعة التقليدية كما أن بعضها يمثل أيضا منطقة جذب سياحي( كما هو الحال في دارفور).

ب-العمل على معالجة القضايا العالقة مع دولة جنوب السودان وتحسين علاقات الجوار معها على أساس المصالح المشتركة. حيث يمثل هذا الأمر أحد التحديات الكبيرة التي تواجه الحكومة السودانية في الوقت الراهن، والوصول إلى حلول نهائية لتلك المشكلات يفتح الباب واسعاً أمام فرص التعاون المشترك بين الدولتين في مجالات اقتصادية مختلفة أهمها النفط والتجارة ، وربما مستقبلاً المياه. وسيحقق السودان من ذلك مكاسب اقتصادية عديدة تساهم ولو بشكل نسبي في تجاوزه لأوضاعه الاقتصادية المتأزمة حالياً.

ج-التحدى السياسي الثالث، هو تطبيع وتطوير العلاقات مع العناصر الفاعلة والمؤثرة في المجتمع الدولي، كالدول الكبرى والمنظمات الدولية. فقد تدهورت علاقات السودان مع معظم تلك العناصر ووصلت إلي حد المقاطعة الاقتصادية والسعى إلي نسف الاستقرار في السودان. ولا شك ان لذلك تأثيراً مباشراً أو غير مباشر على الأوضاع الاقتصادية في السودان، حيث يعيق إمكانية استفادته من فرصه الاقتصادية الواعدة التي أشرنا إليها- خاصةً وان الاستغلال الكفء والأمثل لتلك الفرص يحتاج لتدفقات رأسمالية اجنبية سواء عن طريق القروض أو الاستثمارات المباشرة. وهذه لن تتوفر بالقدر اللازم إلا من خلال تطبيع وتطوير العلاقات مع العناصر المؤثرة في الساحة الدولية.

4-2-2: التحديات الاقتصادية: تتمثل التحديات الاقتصادية التي يلزم تجاوزها الجهة استغلال السودان لفرصه الاقتصادية، بغية الخروج من أزمته وتصحيح مساره الاقتصادي، في الآتي:

أ-استعادة التوازن الاقتصادي، لا بد أن تبذل الحكومة أقصي جهدها لانفاذ برنامجها الاسعافي الثلاثي الهادف إلي استعادة التوازن الداخلي والخارجي للاقتصاد السوداني من خلال السيطرة على التضخم وخفض معدلاته ، واستقرار سعر الصرف عند سعر موحد ومنخفض نسبياً.

ب-تحدى التنمية، فالحكومة السودانية مطالبة بتحقيق تنمية متوازنة قطاعياً وجغرافياً تستهدف تحسين مستوي المعيشة والحد من الفقر وخفض معدلات البطالة. ويتطلب ذلك جهداً تنموياً كبيراً يتضمن إصلاح القطاع الزراعي والإستفادة من كل الفرص المتاحة فيه، وتطوير القطاع الصناعي استناداً إلي فرص التصنيع الزراعي المتاحة في السودان، وكذلك إيلاء اهتمام أكبر وجاد لقطاعي التعدين والسياحة. ولتحقيق كل ذلك لابد من جذب الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، وتقوية الجهاز المصرفي بمزيد من الإصلاحات على مستوى السياسات وعلى مستوى الوحدات المصرفية، والعمل علي تحقيق مزيد من التحسينات والتطوير على مستوى البنيات الأساسية. وفي جانب الخدمات الاجتماعية فإن مزيداً من الجهد يجب أن يبذل لتحسين أوضاع التعليم والصحة لارتباط ذلك بشكل مباشر بتنمية الموارد البشرية.

خاتمــــة:

في خاتمة هذا البحث فنخرج بالنتائج التالية:

1- اتسم المسار التاريخي لتطور الاقتصاد السوداني بالإضطراب بين حالات من الاستقرار واللا استقرار. ويرجع ذلك بصورة اساسية لاضطراب السياسات الاقتصادية والتنموية من جهة، ولعدم الاستقرار السياسي طوال فترات الحكم الوطني من جهة أخرى.

2- علي الرغم من الجهودالتنموية والإصلاحية التي بذلت لتحسين وضعية الاقتصاد السوداني إلا أنه مازال يعاني من اختلالات جوهرية تتعلق ببنائه الهيكلي.

3- ينطوى الاقتصاد السوداني على فرص اقتصادية كبيرة إذا أحسن التعامل معها واستغلالها بالكفاءة اللازمة فإن من شأنها ان تضعه في المسار الصحيح وتجعله قادراً على امتصاص الصدمات التى تواجهه.

4- هنالك عدد من التحديات السياسية والاقتصادية لابد من مواجهتها والعمل على تجاوزها حتى يتسني الإستفادة القصوي من الفرص الاقتصادية الكبيرة الكامنة في الاقتصاد السوداني.

وعلى ضوء تلك النتائج فإنه يمكن تقديم التوصيات الآتية:

1- الوقوف الجاد على تجارب الماضي الخاصة بمسار الاقتصاد السوداني واستخلاص الدروس والعبر منها وتجنب تكرار أخطائها.

2- العمل بجدية ومسئولية على معالجة الاختلالات الهيكلية التى ظل يعاني منها الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال بتبني استراتيجيات وبرامج تنموية واقعية تعمل على تقوية البناء الهيكلي للاقتصاد وتنويع قاعدته الإنتاجية.

3- بذل الجهد الخالص لتجاوز التحديات السياسية والاقتصادية الماثلة أمام الاقتصاد السوداني، والتي تحول دون تحسن أوضاعه.

4- إتخاذ التدابير والسياسات المناسبة والفاعلة للإستفادة من الفرص الاقتصادية الواسعة المتوفرة للاقتصاد السوداني.

قائمة المراجع :

1. صلاح الدين علي، السودان، الإسكندرية، منشأة المصارف، 2000م.

2. د. عبدالوهاب عثمان شيخ موسي ، منهجية الإصلاح الاقتصادي في السودان، الخرطوم، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة 2011م

3. د. عبده مختار موسي، دارفور من أزمة دولة إلي صراع القوى العظمي، الدار العربية للعلوم مركز الجزيرة للدراسات ، بيروت ، ط 1، 2009م

4. محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان (1900- 1969) ، ترجمة هنري رياض وآخرون، الدار السودانية للكتب، الخرطوم الزراعة في السودان.

دراسات:

1. أ.د. عثمان إبراهيم السيد، مشكلات النقل في السودان، في : قضايا النقل في السودان، أوراق المؤتمر العلمي حول قضايا النقل في السودان، مركز دراسات الشرق وإفريقيا، الخرطوم ، 2004م

2. بلال يوسف المبارك، مشاكل ومعوقات الصناعة في السودان، ورشة عمل ظاهرة الإغراق السلعي في السودان، مركز دراسات الشرق وإفريقيا، 2008م

3. محمد عبد القادر محمد خير، التخطيط من أجل التنمية في السودان، المجلة العلمية -كلية التجارة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية ، جامعة النيلين

4. محمد عبد القادر محمد خير، القطاع الخاص السوداني وتحديات سياسة التخصيص، رسالة دكتوراه (غير منشوره) جامعة الخرطوم، 2001 م.

5. محمد عبد القادر محمد خير، غياب التوازن التنموي في السودان ومترتباته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، ورشة عمل التنمية الاقتصادية من منظور إسلامي، مركز التنوير المعرفي ، الخرطوم ، أغسطس 2010م

6. محمد عبد القادر محمد خير، قطاع الاتصالات ودوره في التنمية، مجلة المنتدي، مركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتجية، الخرطوم .، 2010م

7. د. احمد رفعت عدوي ، المديونية الخارجية، قضايا ما بعد الانفصال ، أوراق المؤتمر العلمي الرابع للجمعية السودانية للعلوم السياسية ( الفترة 28-29) نوفمبر 2010م، مركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية ، الخرطوم 2010م .

8. ا.د. احمد مجذوب، نتيجة التناول للقطاعات الاقتصادية، في: واقع ومستقبل الاقتصاد السوداني، المنتدي، مركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية ، العدد التاسع عشر، يونيو 2011م.

9. حسن بشير محمد نور، أثر الأزمة المالية علي مؤشرات الحرية الاقتصادية ورأسمالية المساهمة، مجلة التنوير، مركز التنوير المعرفي ، الخرطوم، العدد الثامن، ديسمبر 2009م.

10. ا.د. حسن علي الساعوري، مياه النيل، في: قضايا ما بعد الإستفتاء، اوراق المؤتمر العلمي الرابع للجمعية السودانية للعلوم السياسية، الخرطوم، 28-29 نوفمبر 2010م.

11. أكرام محمد صالح حامد، الأبعاد الدولية لمياه النيل في حالة إنفصال جنوب السودان، في : قضايا مابعد الإستفتاء، أوراق المؤتمر العلمي الرابع للجمعية السودانية للعلوم السياسية، الخرطوم ،28-29 نوفمبر 2010م .

تقارير ووثائق:

1- صندوق النقد الدولي، تقرير حول وضع الاقتصاد السوداني بعد الإنفصال، ابريل 2011م

2- الاستراتيجية القومية الشاملة ( 1992- 2002م) المجلد الأول.

صحف:

1- صحيفة الإهرام اليوم، العدد 561، 5 سبتمبر 2012م.

2- صحيفة الصحافة، العدد 6280، 13 يناير 2011م.

إنترنت:

1- www.sudannway.sd/gography.states.elgadaref.htm

2- The world Bank ,Africa development indicators, 2011, P.38

3- موقع بنك السودان المركزي ،

4- www.cbos.gov.sd/node/250

5- موقع بنك السودان المركزي ،www.cbos.gov.sd/node.256

6- www. C.I.A Fact Book

 

^ أعلى

 

 

المكتبة     الوثائق     أرشيف الموقع     مواقع صديقة     اتصل بنا    

 

 
 
 

 

جميع الحقوق محفوظة للراصد للبحوث والعلوم:: السودان - الخرطوم 2010 ::: ص..ب ـ 10755 .info@arrasid.com ::  التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية